الفيحاء عبد الهادي (الأراضي الفلسطينية المحتلة)


تعرفت على الأدب، وخاصة الشعر، منذ لفظت أولى حروف الأبجدية. كنت أحفظ وأحفظ

Faiha-Abdulhadi-Albalad-Theater-Hakaya-Book-Launching-If-I-were-Given-the-Choice-April-2009-300x175

الكثير من الأبيات الشعرية، وأرتلها بحب ووجد، كما والديّ، اللذيْن حبباني باللغة العربية، وبالشعر، وبضروب الأدب كافة. شكَّل الشعر واحة حرية لي، ومساحة للتنفس، ونافذة لإطلاق الخيال، لم تتحها ظروف نابلس الاجتماعية. ولم يكن هناك أجمل من جلسة مع الشاعرة فدوى طوقان، صديقة العائلة، في رحاب منزلنا في جادة الياسمينة، في نابلس، نستمع فيها بحواسنا الخمس، إلى شعرها الوجداني. ولم يكن أحب إليّ من طلبها سماع قصيدة من قصائدها بصوتي. في المرحلة الابتدائية؛ كنت وشقيقتي فادية؛ نلتهم الكتب الأدبية، والتاريخية الأدبية، والفلسفية، قرأنا “نجيب محفوظ”، و”يوسف السباعي”، و”عبد الحليم عبد الله”، وتعرفنا على التاريخ، من خلال “المملوك الشارد”، و”فتاة غسان”، وغيرها من كتب “جرجي زيدان”. وجذبتنا الفلسفة حين قرأنا أفلاطون وأرسطو، و”رسائل إخوان الصفا”. كان فضل مكتبة البلدية كبيراً علينا، ظلت معلماً ثقافياً، ومنبعاً للمعرفة، ومشواراً يومياً يسعدنا، طيلة إقامتنا في مدينة نابلس. قلَّدت شقيقتي في تبادل رسائل أدبية مع صديقتي “عابدة”، مذيَّلة ب “أخوات الصفا”؛ حين اكتشفت رسائلها المتبادلة مع صديقتها “سهير”، مذيَّلة ب “أخوات الصفا”. وشكَّلت تلك الرسائل باكورة تمرد، على إهمال المرأة وتهميشها في ميادين المعرفة، وفي القلب منها الفلسفة.

جذبني الغموض الذي اكتنه رسائل “إخوان الصفا”، والقضايا الفلسفية التي أثيرت من خلال الرسائل، مثل: المشكلات الميتافيزيقة للوجود الطبيعي، وقضية الجبر والاختيار. عرفت أنهم كانوا أقدم حلقة من حلقات التواصل، بين الفكر العربي الإسلامي، والفلسفات والمذاهب الدينية الأخرى. شدتني السماحة الدينية، التي تنبذ التعصب، وشدّني إعمال العقل، فبما يطرحون في رسائلهم؛ فهم يعلنون أنهم “لا يعادون علماً من العلوم، ولا يهجرون كتاباً من الكتب، ولا يتعصبون لمذهب من المذاهب، وأن رأيهم ومذهبهم يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم كلها”.

وبينما لازمني حب الأدب طيلة دراستي الأكاديمية؛ نفرت من دراسة التاريخ. أحسست بفارق كبير بين تاريخ البشر، والتاريخ المكتوب. لم أحبّ الحفظ المجرد قط، من أجل نيل العلامة؛ الأمر الذي جعلني أفرُّ من الدراسة الأدبية إلى العلمية، في المرحلة الثانوية؛ ليس حباً ببعض المواد العلمية فحسب؛ بل هروباً من المواد الأدبية الجامدة، التي تتطلب حفظاً أصم، مثل التاريخ، كما تعلمته في المدرسة. لازمني الأدب طيلة حياتي، وكان منقذي ومخلِّصي، حيثما واجهت العقبات والصعاب؛ في المدرسة، والسجن، والجامعة، وفي الحياة الرحبة. في السجن، ومع الصديقات والرفيقات؛ كان الكتاب الذي نستعيره من مكتبة السجن؛ خير جليس لنا، وخاصة كتب الأدب. أما الشعر؛ فقد لعبت كلماته، وخاصة الملحنة؛ دوراً كبيراً في تحقيق لُحمتنا، وشحذ عزائمنا، وفي احتمال التعذيب، وفي تبادل الرسائل السرية، وفي الصمود في وجه المحققين.

كتبت شعرا في السجن، وأرسلته إلى الكاتب الشهيد “غسان كنفاني”، فنشره في مجلة “الهدف”. كانت تلك أولى قصائدي المنشورة. وفي الجامعة، أنقذني الشعر المكتوب على قصاصة ورق، من الالتحاق ب “كلية التجارة” وكان سبباً في قبولي في “كلية الآداب”، في الجامعة الأردنية، مع أنني لم أنل المعدل المطلوب للالتحاق بالكلية، لوجودي في السجن فترة طويلة، قبل تقدمي لامتحان الثانوية العامة. لم أخلص للدراسة العلمية، في مجال الأدب، سوى في السنة الأخيرة الجامعية. ورغم ذلك، لم أجد أكثر إخلاصاً من هذا الحقل، الذي احتضنني، مرة أخرى، حين لجأت إلى القاهرة، لاستكمال دراستي الجامعية. استهواني النقد الأدبي، في المسرح والرواية والقصة، وكرست له دراستي الأكاديمية. وسعدت بارتباط هذه الدراسة باهتماماتي العملية؛ التي تركزت في العمل بين أوساط النساء في القاهرة. وحين تعرفت على التاريخ الاجتماعي، من منظور النساء؛ لامسَني وسحَرني. ووجدت تقاطعاً خاصاً بين التغيير الذي يتيحه هذا المنهج، حيث يمكن إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر النساء، وحيث تفكيك القيم السائدة، وبين النقد الأدبي، الذي يتيح تغييراً سياسياً اجتماعياً بشكل غير مباشر، عبر زعزعة المسلَّمات والأفكار الجاهزة. وكلما تعمقت نظرياً وعملياً في حقل التاريخ الشفوي؛ أحسست بأني أدخل عالم الناس الواسع، شديد التعقيد والخصوبة في آن؛ إذ يشكل التاريخ الاجتماعي مادة خصبة للأدب، ومرجعاً لا غنى عنه. يزخر التاريخ الاجتماعي بمخزون ثقافي اجتماعي: أقاصيص، وحكايات، ومواويل غنائية، وقصائد، وسير شعبية، وأمثال شعبية، وحكم، ورسوم، ورقصات ومعها موسيقى وغناء. تغوص جميعها في أعماق الإنسان، وعندما تخرج؛ تخرج ممتزجة بأعماقه. ويهتم التاريخ الاجتماعي، من وجهة نظر النساء، بالربط بين المجال الخاص والمجال العام؛ الأمر الذي يتيح فهم علاقات القوة في المجالين.
وهو يهتم بتسجيل التفاصيل، وبالتقاط المشاعر؛ وليس فقط بتسجيل الحدث. يعتمد على الملاحظة والمشاركة والإصغاء الواعي، كما يعتمد على الاهتمام بالأعمال الصغيرة، وبتسجيل الصوت الخفي للمرأة، وبإعادة تعريف المصطلحات، التي تستخدمها النساء، في محاولة لقراءة أعمق، لآراء النساء، ولحقيقة مشاعرهن. يتلاءم منهج التاريخ الشفوي مع المرأة، ومع المنظور النسوي بالتحديد، إذ يتيح استخدام هذا المنهج للمرأة أن تتحدّث بنفسها عن نفسها، وعن رؤيتها للعالم. تتعلم المرأة من خلال ممارسة حقّها في التعبير عن نفسها وتكتسب الكثير، تثق بقدراتها وتكتسب التجربة التي تتعمق مع ازدياد ممارستها لأبسط حق من حقوقها. ويهتم الأدب، من وجهة نظر النساء، بإعادة الاعتبار لصوت المرأة، وجعله مسموعاً.

كما يهتم بالكشف عن الكاتبات المهمشات، اللواتي طمست أعمالهن، أو أهملت. وهنا يلتقي مع التاريخ الاجتماعي؛ لكنه يختلف في لغة الكتابة؛ فبينما يهتم التاريخ الشفوي بالإخلاص للغة المحكية؛ يعيد الأدب إنتاج الواقع، بلغته الفنية الخاصة. تقاطعت اهتماماتي وتشابكت. نفرت من الصوت الواحد في مختلف حقول المعرفة: في السياسة والثقافة والنقد والإبداع. آمنت بالأصوات المتعددة وبالمساحات المتسعة، بترابط حقول المعرفة الإنسانية والعلمية؛ ما جعلني أومن إيماناً عميقاً بقضية الديموقراطية. من خلال كتاباتي الشعرية، والنقدية، والتاريخية؛ أحاول الإخلاص للأدب بعلاقته مع التاريخ والحياة، وللتاريخ بعلاقته مع البشر. آمنت بقدرة الكاتب، الذي يمتلك موهبة أصيلة، على الاستفادة من الحياة في أدبه، وخاصة إذا كان منغمساً في العمل السياسي، دون أن يطغى الشعار السياسي. وكان غسان كنفاني، هو المثال الأكثر تجسيداً لأفكاري عن الاتصال والانفصال، بين الأدب والسياسة. في كتابي: “وعد الغد: دراسة في أدب غسان كنفاني”، وقفت عند غسان الفنان، الذي كتب الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، والمقالة الأدبية، والمقالة السياسية، بالإضافة إلى ممارسته فن الرسم. طوَّر غسان أدواته الفنية، عبر التجريب الفني؛ الأمر الذي جعله يضيف إلى الرواية الفلسطينية والعربية، ويكون مثالاً لتكامل حقول المعرفة الإنسانية. أما المرأة، فهي تتصدر كتاباتي كافة. تقصَّيت دورها في التاريخ، وفي الأدب، وفي الشعر، وفي الحياة. حين وقفت عند قصص البطولة الفلسطينية التي رسخت في وجدان الشعب، وجدتها في معظمها تتحدث عن الرجل/البطل، وقليلها يتحدث عن المرأة/البطل، بمعنى البطولة في ميدان القتال، والكفاح الشعبي، وإذا رجعنا إلى السبب في هذه الظاهرة، وجدنا أنها تعود إلى صورة للمرأة رسخت في ذهن الرجل وذهن المرأة، وهي لا تخضع في كثير من الأحيان لأسباب منطقية، بقدر ما تخضع لمجموعة من القوالب الفكرية، المسبقة، ذات الطابع الأسطوري.

من خلال كتابي: “نماذج المرأة/البطل في الرواية الفلسطينية المعاصرة”؛ حاولت رصد صور البطولة النسوية الفلسطينية، في الروايات التي احتلت المرأة الشخصيات الرئيسة المحركة فيها. ومن خلال كتب التاريخ الشفوي: “المرأة الفلسطينية والذاكرة”، و”بيبلوغرافيا التاريخ الشفوي الفلسطيني، قمت بالتركيز على “قضايا المرأة الفلسطينية”، و”أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات”، و”أدوار المرأة الفلسطينية في الأربعينيات”، و”أدوار المرأة الفلسطينية في الخمسينيات حتى اواسط الستينيات”. التقطت النساء المهمشات والمنسيات والرائدات، في محاولة لتسليط الضوء عليهن، وتتبع أدوارهن التاريخية منذ الثلاثينيات.

ومن خلال كتاب “لو أملك الخيار”، وبالتعاون مع مجموعة باحثات ميدانيات، رصدت وحلَّلت شهادات النساء حول المعاناة والاضطهاد: تجارب أمهات الشهداء، وأمهات الشهيدات، وزوجات الشهداء. بعض المعتقلات المحرَّرات، وأمهات الأسرى. شهادات عن اجتياحات الجيش الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية: محاصرة البيوت واحتلالها، وتدمير البيوت وتكسيرها وقصفها، وتدمير البنية التحتية/ قطع الماء والكهرباء، والجثث في الشوارع، وكسر أقفال المحلات التجارية وإحراقها، واستخدام النساء كدروع بشرية، والولادة على الحواجز، والسخرية والاستهزاء والإذلال والتحرش. كما رصدت شهادات النساء في المقاومة: الصمود، والتحمّل والإصرار، والتحدي، والتمسك بالحياة. ومن خلال النصوص الإبداعية: “هل يلتئم الشطران”، و”وردة الروح”؛ أبرزت شخصيات نسوية تفاعلت معها، عبر المعرفة الشخصية بها، أو القراءة عنها، أو الاستماع إلى أصواتها. وبعد، رغم الوعي بتداخل حقول المعرفة، وتقاطعها، واستفادة كل منها من الآخر، ومع انغماسي حالياً، في الكتابة المتخصصة في حقل التاريخ الشفوي؛ تبقى الكتابة الإبداعية أقرب أنواع الكتابة إلى قلبي. يتسلل الشعر إلى كتاباتي، ويدغدغني. أراوغه ويراوغني. يرميني بسهامه ويتركني مثخنة بالجراح. أحس أمامه بالرهبة والرعشة. أقترب وأبتعد/ أبتعد وأقترب/ أخاف منه/ أخاف عليه أقترب/ يدميني الشوك/ أبتعد/ يبرِّح بي الشوق.

أحببتـــــــكَ ابتعــــــــدت
أحببتــــــكَ اقتربــــــــــت
تلوتكَ
خفتُ منك خفتُ عليك
حملتُك تحتَ الجلدِ وفي الأَعماق ضنَنت
اقتربت أدماني الشّوك
ابتعدت برَّحَ بي الشوق
يا جميـــــــــــــــل
يا رشيــــــــــــــــــق
يا مجهـــــــــــــول
يا عـــــــــــــــــذب
يا وحشــــــــــــــيُّ
يا صَديقي
يا حبيـــــــــــــــبي
أيُّها الشِّعـــــــــــــر

This story is available in English.